تحقيق/ كاظم فنجان الحمامي
فقدَ هذا النهر الكبير اسمه الحقيقي منذ زمن بعيد, وتعرض مجراه للتقلصات
والتراجعات، التي فرضتها عليه الظواهر الجيمورفولوجية الغامضة، وخضع حوضه
للتغيرات التكتونية البطيئة من دون أن ينتبه إليه احد. فانكمش مجراه،
وتَقَزّمَ طوله تدريجيا من ثمانية فراسخ (28 كيلومتر) في زمن الخلافة
الراشدية، إلى اقل من ربع فرسخ (كيلومتر واحد تقريبا) في المرحلة الراهنة.
كان فيما مضى حلقة الوصل بين دجلة العوراء (شط العرب)، وكرى سعدة (المجرى
الأدنى للفرات)، فتشوهت ملامحه الرئيسية بعوامل النحت والتعرية، وتقلبات
الفيضان والجفاف والتصحر والاضمحلال، حتى بات على وشك أن يقطع علاقته
بالبصرة.
كان معروفا بأعماقه الكبيرة، وبقدرته على استيعاب السفن المحلية والمراكب
الخشبية، التي يزيد غاطسها على سبعة أمتار، والمحملة بالبضائع، فتردت
أعماقه الآن إلى اقل من نصف متر، وانقطعت علاقته بالتجارة وخطوط الشحن،
وغادرته حتى الزوارق الصغيرة إلى غير رجعة.
كانت تتفرع منه شبكة معقدة من الجداول والسواقي والترع، التي تعج بحركة
الابلام والقوارب الصغيرة الملونة، اما اليوم فقد جفت تفرعاته كلها، وارتبط
مصيره بشبكة الصرف الصحي، وصار مستودعا للمياه الآسنة، وبركة تعج بالأوساخ
والقاذورات والنفايات والعبوات البلاستيكية والصناديق الكارتونية.
يتبع