برغم قذائف الهاون واطلاقات النار العشوائية .. العراقيون يهربون من غرف الصيف الساخن الى اسطح المنازل الملغومة بالمخاطر

تحقيق: غادة آل محمد صالح
عصراً تصعد احدى بنات الدار الى سطح المنزل لتطرد الغبار العالق بذرات الماء فتصهل النسمة الطرية على الفراش المبلل بندى الغروب لتزيده برودة، وحين يمر المساء ويقترب الزمن من انتصاف الليل يصعد افراد الاسرة، تحتضنهم الاغطية الباردة فيستسلمون للنوم بعد حوار هامس مع نجوم ساهرة تطلع كل يوم على اسرارهم فتزداد توهجاً.
هذا ما تذكره (ابو هشام) عن تلك الايام الجميلة الهادئة التي كانت لقمة العيش فيها لا تشكل عبئاً او هاجساً نفسياً يرهق رب الاسرة، ومع محاولة ربط اليوم بالامس نقف عند مفترق طرق متخم بالمتناقضات فسطح هذه الايام لم يعد كسطح الايام الخوالي والنسمة الندية بالامس تحولت هي الاخرى الى ريح ساخنة نتجت عن الارتفاع المتواصل في درجة حرارة الارض بسبب الاحتباس الحراري.
يؤكد (ابو هشام) بان سكان المناطق (الساخنة) ينامون مضطرين في غرف الصيف الشبيهة بافران الحدادين وسكان المناطق (الباردة) اي الاقل عنفاً يلجأون الى سطح الدار وهذه مفارقة اخرى في زمن لا تخضع فيه الاشياء لقوانين المنطق.
* (ناجي جواد) او كما يكنيه اهالي الحي (ابو حيدر) لم ينج من لسعات البعوضة التي تضخمت بعد الاحتلال وصارت تشارك المارينز في سفك دم العراقيين الهاربين من جحيم الصيف الى سطح الدار.
يقول ابو حيدر: اشعر بها تقترب مني بحذر ثم يزداد طنينها في اذني، تحاول قطع لحظات الاسترخاء في الهواء الطلق فتقتنص لحظة عصية الفهم والتفسير لـ (تنهل) من دمي وهي على كل حال اكثر رحمة من رصاصة طائشة عمياء.
* السيدة (ام رنا) تقول بألم: كنا في تلك الايام الخوالي نصعد الى سطح الدار للنوم والتمتع بالنسائم الباردة ولكننا اليوم وبعد استشهاد ابو رنا بانفجارعبوة ناسفة لم نعد نمارس هذه الطقوس بسبب عدم شعورنا بالامان اولاً وعدم رغبتنا في اي شيء بعد رحيله.
* (كريم صابر) رب اسرة مكونة من ثلاثة اطفال (صابر ومريم وشاكر) اعتاد على النوم في سطح الدار منذ سنوات طويلة وداوم على هذه العادة بعد انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة وارتفاع درجات الحرارة داخل الغرف المغلقة.. يقول ابو صابر: قبل مدة وحين كنا ننام بهدوء سمعنا انفجاراً مدوياً تبين فيما بعد بانه سيارة مفخخة وهذا امر اعتدنا عليه الا ان الكارثة التي حدثت هي ان الانفجار قذف على السطح احد رؤوس الضحايا بالقرب من ابنتي مريم التي اصيبت حينها بانهيار عصبي وصعوبة في النطق بسبب هول الصدمة ومنذ ذلك الوقت ونحن نعيش بمرارة لفقدان الامن واستهداف المدنيين المتجولين في الاسواق او النائمين على اسطح دورهم.
* حسب البرمجة الجديدة للتيار الكهربائي في بغداد (والكلام لخالد محمد زمان) فإن هناك ساعة كهرباء مقابل خمس ساعات قطع.. وقد تختفي الكهرباء لأيام عديدة متتالية لأسباب يحفظها المواطن العراقي على ظهر قلب مثل “إنفجار في أنبوب النفط ..عمل تخريبي في محطة الكهرباء ..البرمجة”.. وآخرها العقاب الجماعي الذي قد تمارسة الحكومة ضد منطقة ما!!..
والنوم فوق الأسطح عادة قديمة باتت محاطة بمخاطر جديدة، خاصة مع توتر الوضع الامني وهذا أمر يدركه جيدا الكثير من العراقيين الباحثين عن نسمة هواء في لهب قيظ لايرحم، ولكن المضطر يركب الصعب كما يقولون..
*(سهيلة مجيد) امرأة أربعينية وأم لخمسة ابناء، أكبرهم خالد في الخامسة عشرة.. تسكن في منطقة العامرية، وهي كغيرها تفضل الحر على مجازفة النوم على السطح .. تقول (ام خالد: “ما أخشاه هو ما يحدث اثناء الليل من اشتباكات بين الجماعات المسلحة، وما نجده في الصباح فوق سطح منزلنا اكبر دليل على ذلك، اطلاقات كثيرة وليس هناك من سبيل أمامنا إلا تحمل الحر الفظيع”.
تسكت برهة ثم تضيف “اشد الايام سوء عندما تنقطع الكهرباء نهائيا نتيجة خلل ما، حينذاك نفتح الشبابيك والابواب ونسلم امرنا الى الله”.
*(فرح ميرزه)، موظفة في القطاع الخاص في الثلاثين من عمرها توفي زوجها مؤخرا في احد الاشتباكات تقول: “كنت مع عائلتي الصغيرة نفترش السطح ليلا ، فهو الملاذ الوحيد من حر لايطاق، خاصة مع شحة البنزين و(الكاز) وعدم تشغيل المولدات ،فضلا عن انقطاع الامل في استمرار الكهرباء لاكثر من ساعة واحدة”.
وتضيف “شعرت في أحدى الليالى بشيئ ساخن يخترق قدمي اليسرى، صرخت ولم اشك للحظة واحدة بأنني أصبت بطلق ناري”.. فرح مازالت تحتفظ بالطلقة النارية وتقول “في تلك اللحظات شعرت بالخوف على ابنائي من ان يفقدوني كما فقدوا اباهم.”ولكن الحمد لله فقد كانت الاصابة سطحية.
*(عمر عادل) شاب تخرج حديثا في معهد الادارة التقني واحد سكان منطقة الفضل، يؤيد مايراه الكثيرون من خطر النوم ليلا على السطح ويرى ان ذلك مجازفة غير محسوبة او محمودة العواقب لاسيما في المناطق الساخنة، ويقول" كنا في السطح حين سقطت علينا شرارة هائلة من النار ثبت فيما بعد انها من بقايا شعلة تنويرية أطلقها الامريكان في المنطقة، احترق الفراش وانكسرت يد والدتي التي ارتطمت في الظلام بعمود لم تره”.
ولكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد من الازعاجات في رأي هذا الشاب الذي يقول ”هناك ازعاجات كثيرة اخرى تقلق من ينام على السطح، فصوت المولدات ينطلق عاليا في الليل،وصوت الطائرات الامريكية في جولاتها التي لا تنقطع ليل نهار”.
* المهندس المعماري المتقاعد عدنان فاضل (60 عاما) من منطقة الكرادة القديمة، يرى ان اللجوء الى الاسطح هو الحل الوحيد الذي تلوذ به الكثير من العوائل العراقية، ويقول “ربما كان العراق هو البلد الوحيد الذي عرف اهله عادة النوم فوق الأسطح، فتصميم البيوت ومنذ بداية القرن الماضي تم وفق طراز شرقي يتميز بالساحة الداخلية المكشوفة، بالأضافة الى السطح المسيج الذي استغل للنوم ليلا”.
ويستدرك قائلا: ان المصريين والشاميين استغلوا السطوح ببناء غرف منعزلة، يسكنها ذوو الدخل المحدود، اما في المغرب العربي فطبيعة الجو وبرودته لاتناسب النوم فوق السطوح وذلك بعكس جو دول الخليج العربي الذي يتسم بحرارته ورطوبته العالية”.
الباحث التراثي محمد جواد الغرابي يتحدث عن المرجعية التاريخية لظاهرة النوم فوق السطوح، فبعيدا عن انقطاعات الكهرباء لم يترك العراقي هذه العادة قط، لما لها من جانب صحي وجمالي، حيث يقول “توارث العراقيون ظاهرة النوم فوق السطوح من جانبين تاريخي واجتماعي، فمن الناحية التاريخية وجدت ظاهرة الانتفاع بالسطوح ابتداء من الكاهن حين استعمل الزقورة فكان يصعد اليها ويكلم الاله وبعد ان يكمل طقوسه ينام فيها مستفيدا من اعتدال الطقس”.
ويتابع أنه “كان لدى الاشوريين والبابليين إحساس بالارتفاع عندما بنيت الجنائن المعلقة فكلما ارتفع الإنسان عن الأرض أصبح المناخ أجمل، وقد بنيت في الاخيضر (جنوبي كربلاء) فسحة جميلة كان الحراس يجدون فيها مكانا مناسبا للنوم والاسترخاء”.
وعن طبيعة الحوش البغدادي وتصميمه، يضيف الغرابي قائلا “لقد عرف الحوش البغدادي بأنه مكشوف من الوسط،ولذلك علاقة بأن الفرد البغدادي فضل الارتباط بالسماء، ومن ثم الارتباط بالرب، وقد دهش الرحالة (جوفر يزرا) في رحلته وهو يرى في منظاره العوائل العراقية النائمة فوق الاسطح”.
اما عن الجانب الاجتماعي، فيقول الغرابي “كان السطح ركنا اساسيا في حياة الفرد العراقي.. فكان الفراش يحفظ في مكان خاص يسمى (البيتونة) وهي غرفة صغيرة مسقفة، وفي وقت الغروب يعمد الى اخراج الفراش وفرشه ليبرد ورغم كل المخاطر، يبقى النوم فوق الاسطح هو الحل المثالي للخلاص من الحر، خاصة في المناطق الامنة نسبيا..