كركوك العذراء

نص/ توفيق جلال اورخان

ترجمة: وحيد الدين بهاء الدين


من بعيد تتوهج..
وتهمس رويداً على المسامع،
تاريخاً مسطراً..
* * * * *
سل مرة هاتيك الورود: الصغيرة، البيض، الحمر،
وقد رويناها بدمائنا الزكية..
ماذا وهبنا لهذه التربة؟!
* * * * *
امجاد.. تراث.. طاقات..
هذا كله امتزج في كيانك..
بعمق ما فوقه عمق.. واحداً اثر اخر..
* * * * *
عبر نهرك العميق..
مرت على تواتر الازمان،
حجافل التتار.. المغول.. السلجوق.. ايران
* * * * *
هذا سبيل الى الهند.. الى القفقاس.. الى ايران..
هذا السيل، وهو سبيل الحياة..
* * * * *
مقدمة جيش الاسكندر،
تختلج من الاعماق، منتحبة، تخنقها العبرات،
لتدرك مرقد الشمس..
* * * * *
امضى في ديارك الشتاء،
هاتفا من جوانحه لك،
فكنت مخمورة بدلال وتيه
* * * * *
وكانت منك القامة فتانة،
والخلق دمثاً ، قريباً الى الروح،
كذلك كنت صبية... وفية..
* * * * *
وداريوس حينذاك له سطوته،
كان يشيد قلعة من جثث وضحايا،
تتدحرج فائضة كما لو كان سبيلاً..
* * * * *
وذات يوم تلاشى صداه،
وتبددت في لجة الأسى اهانه ونغماته،
وكأن وتر في كمان مهشم..
* * * * *
اذ ذاك افاق من رقوده
فتلوّن من خشية محياه،
فطرح سيفه ارضا،
* * * * *
نضبت العبرات في مقلتيه على مهل وخفوت،
حيث نسي حرصه..
مدارياً كربته..
* * * * *
لقد انتهت الى هذه الفاجعة،
حماسة اليونانيين،
وجلادة الاسكندر..
* * * * *
وبمرآك اذنت،
تلك المعركة الدامية القذرة بالانتهاء،
كالريح هبت ومرت،
* * * * *
ترى من اثارهم وهيجهم؟؟
وجعلهم يتصاولون مطردي الانفاس،
أما كان حسنك سبباً لذلك؟
* * * *
اخترقوا الجبال والتلال
حتى بلغوا مغانيك،
لا يحول دونهم وهاد ولا نجاد
من ذلك اليوم انظري مرة
وانت في سكينة وراحة فؤاد
هل إستقر في بالك شيء
* * * * *
في حضورك اثرنا سجودا
لا يفهمنا التاريخ امرا
لا ادري وهل خرف؟
* * * * *
الامويون.. والعباسيون،
العثمانيون.. والصفويون،
سادوا العالم شرقاً وغرباً..
* * * * *
على شفقتك اعتمدوا؟
وعلى صدرك الابيض ارتموا
ومن ثدييك رضععوا؟!
* * * * *
فقد بت اما لبعض،
وذبلت نحيلة في حضن آخر،
يا مأواي انت.. يا كركوك العذراء.
* * * * *
ان لي في الظاهر حقاً،
لأنني ككل فرد هنا،
مهما يكن فقد قضيت عمراً..
* * * * *
وفيت وظيفتي حقها،
ولكنني انا الآخر انتهيت،
تقوس ظهري، وابيض شعري
* * * * *
ولاح لنا الطريق،
وكل شيء لغة الدخان،
وتلقف الظلام الطريق..
*****
من شيد هنا جسراً،
ومن قاد عبره قافلة؟
سل يجبك نهر “خاصة”
* * * * *
امسحي عينيك حسبهما دموعاً!
ودعي اولادك يغتبطوا..
يا أماً منكودة.. يا مدينة كركوك