|
عبد
الأمير المجر
بينه وبين جوزيف بروز تيتو، اكثر من (حبل ود)!، وفي تاريخ
حياتهما مااستوقفني لأتأمل بعضا من سر الحياة نفسها.. انه ليوبيد سنغور شاعر
السنغال ورئيسها الاشتراكي الذي حكم بين عامي 1960و 1981، قبل ان يسلم الحكم
لخليفته (عبدو ضيوف) ليتفرغ للشعر!.. ولأن الابداع في الحياة بشكل عام، تتلاقى
خيوطه لتنسج شكل الوجود فأن الحديث عن سنغور الشاعر بالنسبة لي يتداخل مع
الحديث عن سنغور الرئيس.. وللذين لايعرفون الكثير عن هذا المثقف والسياسي، أقول
انه أحد أبرز رموز الاشتراكية الافريقية التي حاولت ان ترسم ظلاً اخضر على
القارة السوداء وكان يؤمن بخصوصية الثقافة الافريقية وعمقها في المجتمع فلم
يندفع وراء النظريات بل امسك بها وروضها لتكون جواداً ينطلق به شعب متخلف الى
سوح الحضارة.. ولأنه أفريقي يؤمن بأفريقيته ثقافة وانتماء،فقد اسس لما يعرف
بـ(الزنوجة) التي تنادي بوحدة افريقيا ولعلي تذكرته حين سمعت بان منظمة الوحدة
الافريقية تحولت الى اتحاد!.. فهل كان سنغور الشاعر الانسان شوفينياً؟!..
هنا تكمن قيمة الثقافة حين تكون أداة لإنماء القيم والارتقاء بالحياة، فسنغور
الشاعر والمثقف الذي هضم الثقافة الاوروبية وتعلم الفرنسية كان يخشى ان تأخذه
(الفرنسية) وتنسيه لغته الأم، لانة لايريد ان يذوب في الاخر، بل يريد ان يتثاقف
ويتنافذ معه، ويريد أن يستنهض الأمة الأفريقية من خلال ممكناتها الكامنة، وأقصد
الثقافية والاقتصادية لتسهم في صناعة التاريخ، ولم يكن يريدها ان تكون
امبراطورية للشر والعدوان وهذا هو جوهر الخلاف بين التوجه (القومي) الايجابي
والتوجة القومي الشوفيني كما يراه أهل العلم والفكر.. وسنغور السياسي الاشتراكي
كان مضمخاً بعطر الشاعر واحلامه الكبيرة وحبه للحياة فكان حالماً (يضبط) حركة
حلمة التزامه السياسي وفكره التقدمي، وهكذا كان متوازناً في رؤيته ورؤاه يتطلع
للأمام من دون ان ينسى الارض التي يقف عليها والواقع الذي يعيش فيه.. لقد كان
يشبه الى حد كبير زميله الاشتراكي الكبير تيتو الذي اسماه بعض الراديكاليين
الشيوعيين (جنرال الخيانة)!، لأنه اختط طريقاً اشتراكياً واقعياً، طريقاً لم
يعرفه أو يفكر فيه (بول بوت) وامثاله من الطوباويين الذين اضاعوا أنفسهم
وشعوبهم طريقاً، يعرفه سنغور وتيتو اللذين جمعتهما طفولة متشابهة فكلاهما عمل
راعياً فمنحهما (الرعي) ومراحات الزروع فسحة اكيدة للتأمل في تفاصيل الحياة
اليومية لشعوبهم المقهورة والمظلومة والمتخلفة ولأنهما سلكا دروباً عدة في رحلة
حياتهما الصاخبة فقد عرفا أي الطرق يؤدي الى الخلاص وان في حدود معطيات عصرهما
وظروفه اما المستقبل فله رجاله القادمون!..
لقد احتفت الدورة الثامنة والعشرون من موسم أصيلة الثقافة الدولي في المغرب
بالشاعر سنغور لمناسبة الذكرى المئوية لولادته وقد كان الخبر مناسبة لاستذكر
بداية (تعرفي) بسنغور الذي لازم ارهاصات وعيي، اذكنت اتابع اخباره، وأقرأ
الحوارات التي تجري معه والنشاطات التي يقوم بها، بالمتاح لي طبعاً!، ولعل أجمل
من بين ماقرأت له، هو حوار طويل أجرته صحفية عربية قبيل اندلاع الحرب العراقية
الايرانية، وكان حواراً شاملاً، مازلت احتفظ به ضمن كتاب ضم عدداً من حوارات
أخرى مع مفكرين كبار، ومازلت اتذكر اللحظة التي دخل فيها مدير مكتبه عليه اثناء
اجراء الصحفية الحوار اذ سلمه قصاصة تقول، ان حرباً اندلعت بين العراق وايران
وهنا قال ،للصحفية التي أوردت الحادثة في اللقاء.. هذا ماكنا نخشاه أو
توقعناه.. لااتذكر بالضبط... لقد كان يتابع هموم العالم، وكان له موقف انساني
وسياسي ينسجم مع الشاعر، الشاعر الذي يعرفه أهل الثقافة اليوم مثلما يعرفه أهل
السياسة واسمه ليوبيد سنغور..
بقي ان أقول ان سنغور المولود عام 1906 ولد في قرية اسمها (أسد) وكافح ليستنهض
الانسان الشاعر فيه، فكان كما عرفناه حتى وفاته عام 2001 تاركاً خلفة مايستحق
ان يكون اضافة حقيقية للناس.. والحياة!.
|